فصل: أثر الاختلاف بين البائع والمشتري

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


بيع الأمانة

التّعريف

1 - الأمانة لغةً‏:‏ الاطمئنان، يقال‏:‏ أمن أمناً وأماناً وأمنةً‏:‏ إذا اطمأنّ ولم يخف، فهو آمن وأمن وأمين‏.‏ وأمن الرّجل وأمن أيضاً‏:‏ صار أميناً، والمصدر‏:‏ الأمانة‏.‏ واستعمل في الأعيان مجازاً فقيل‏:‏ الوديعة مثلاً أمانة‏.‏ وأمن فلاناً على كذا‏:‏ وثق به واطمأنّ إليه‏.‏

وفي الاصطلاح‏:‏ يطلق ‏(‏بيع الأمانة‏)‏ على ما فيه اطمئنان من قبل البائع، لأنّه أمانة في يد المشتري، فبيع الأمانة مبنيّ على الثّقة والاطمئنان في التّعامل بين الطّرفين‏.‏

أنواع بيع الأمانة

2 - بيع الأمانة يطلق على بيع الوفاء، وبيع التّلجئة، وبيع المرابحة، والوضيعة، والإشراك، وبيع المسترسل أو البيع بسعر السّوق‏.‏

وهذه الأمانة والثّقة تارةً تكون مطلوبةً من قبل المشتري، وتارةً تكون مطلوبةً من قبل البائع‏.‏

3 - فإن كانت مطلوبةً من جانب المشتري، فإنّها تتحقّق ببيع الوفاء، لأنّ المشتري أمين على المبيع حتّى يردّ له الثّمن الّذي دفعه، ويأخذ البائع مبيعه‏.‏

أمّا إذا كانت مطلوبةً من جانب البائع - وهو الّذي يجب عليه الصّدق بثمن مبيعه وشرائه له - فإذا كان البيع بمثل الثّمن الّذي اشتراه به من غير زيادة ولا نقصان فهو بيع التّولية، وإن كان بيع بعض المبيع ببعض الثّمن فهو بيع إشراك، وإن كان بالثّمن مع زيادة فبيع المرابحة، وإن كان بأقلّ من الثّمن فهو بيع الوضيعة أو الحطيطة‏.‏

وإن كان البيع بغضّ النّظر عن الثّمن الّذي اشترى به المبيع، من مساواة أو زيادة أو نقصان، وكان بسعر السّوق، فهو بيع المسترسل أو البيع بسعر السّوق‏.‏

4 - ويقابل بيع الأمانة بيع المساومة، وهو البيع بالثّمن الّذي يتراضى عليه العاقدان من غير نظر إلى الثّمن الأوّل الّذي اشترى به البائع‏.‏

بيع الوفاء

5 - هو البيع بشرط أنّ البائع متى ردّ الثّمن يردّ المشتري المبيع إليه، لأنّ المشتري يلزمه الوفاء بالشّرط‏.‏ وإنّما أطلق عليه ‏(‏بيع الأمانة‏)‏ عند من سمّاه كذلك من القائلين بجوازه لأنّ المبيع بمنزلة الأمانة في يد المشتري، لا يحقّ له فيه التّصرّف النّاقل للملك إلاّ لبائعه، ويسمّيه المالكيّة ‏"‏ بيع الثّنيا ‏"‏ والشّافعيّة ‏"‏ بيع العهدة ‏"‏ والحنابلة ‏"‏ بيع الأمانة ‏"‏‏.‏

وقد ذهب المالكيّة والحنابلة، والمتقدّمون من الحنفيّة، والشّافعيّة إلى‏:‏ أنّ بيع الوفاء فاسد‏.‏ وذهب بعض المتأخّرين من الحنفيّة والشّافعيّة إلى جوازه‏.‏ وذهب بعض الحنفيّة أيضاً إلى أنّ بيع الوفاء رهن، ويثبت له جميع أحكامه‏.‏ وللتّفصيل انظر مصطلح ‏(‏بيع الوفاء‏)‏‏.‏

بيع المرابحة

6 - المرابحة مصدر رابح‏.‏ تقول‏:‏ بعته المتاع أو اشتريته منه مرابحةً‏:‏ إذا سمّيت لكلّ قدر من الثّمن ربحاً‏.‏ واصطلاحاً‏:‏ بيع ما ملكه بما قام عليه وبفضل‏.‏ أو هو‏:‏ بيع السّلعة بالثّمن الّذي اشتراها به وزيادة ربح معلوم لهما‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ أنّ لفظ المرابحة حقيقة عرفيّة فيما تقدّم، وفي المساواة والوضيعة، إلاّ أنّ النّوع الغالب في المرابحة الكثير الوقوع هو ما تقدّم‏.‏

وبيع المرابحة من البيوع الجائزة عند الفقهاء، وذهب المالكيّة إلى أنّه خلاف الأولى، وتركه أحبّ، لكثرة ما يحتاج البائع فيه إلى البيان‏.‏ فالأولى عندهم البيع بطريق المساومة‏.‏

بيع التّولية

7 - هو نقل جميع المبيع إلى المولى بما قام عليه، بلفظ‏:‏ ولّيتك أو نحوه من غير زيادة ربح ولا نقصان‏.‏ وللتّفصيل انظر ‏(‏تولية‏)‏‏.‏

بيع الإشراك

8 - هو كبيع التّولية، إلاّ أنّه بيع بعض المبيع ببعض الثّمن‏.‏ وللتّفصيل انظر مصطلح ‏(‏إشراك، بيع‏)‏‏.‏

بيع الوضيعة

9 - هو بيع الشّيء بنقصان معلوم من الثّمن الأوّل، وهو ضدّ بيع المرابحة‏.‏

وللتّفصيل انظر مصطلح ‏(‏وضيعة‏)‏‏.‏

بيع المسترسل

10 - عرّفه المالكيّة بأنّه‏:‏ قول الشّخص لغيره بعني كما تبيع النّاس، أو بسعر السّوق، أو بسعر اليوم، أو بما يقوله فلان، أو أهل الخبرة ونحو ذلك‏.‏

والمسترسل - كما عرّفه الإمام أحمد - هو الجاهل بقيمة السّلعة ولا يحسن المماكسة أو لا يماكس‏.‏ وبيع المسترسل بهذا التّعريف ينعقد باتّفاق الفقهاء، واختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فيه‏.‏

حكم الخيانة في بيوع الأمانة

سبق أنّ هذه البيوع إنّما سمّيت بيوع الأمانة لأنّها مبنيّة على الثّقة والاطمئنان في التّعامل بين الطّرفين‏:‏ البائع والمشتري‏.‏

11 - فأمّا في بيع الوفاء - عند من يجوّزه - فإنّه يجب على المشتري ردّ المبيع إلى بائعه بعد تسلّم الثّمن، ولا يجوز له إمساك المبيع، لأنّ بيع الوفاء لا يسوغ للمشتري التّصرّف النّاقل للملكيّة، ومن ثمّ فلا يجوز بيعه لغير بائعه وليس فيه الشّفعة، وخراجه على بائعة، ولو هلك المبيع في يد المشتري بغير تفريط فلا شيء لواحد منهما على الآخر، لأنّ يد المشتري على المبيع يد أمانة‏.‏

وإذا مات البائع انتقل المبيع بالإرث إلى ورثته‏.‏ وللتّفصيل انظر ‏(‏بيع الوفاء‏)‏‏.‏

12 - وأمّا بالنّسبة لبيوع الأمانة الأخرى فإنّه إذا ظهرت الخيانة في المرابحة، فلا يخلو إمّا أن تكون قد ظهرت في صفة الثّمن، أو أنّها ظهرت في قدره‏.‏

فإن ظهرت الخيانة في صفة الثّمن، بأن اشترى شيئاً بنسيئة ثمّ باعه مرابحةً على الثّمن الأوّل، ولم يبيّن أنّه اشتراه بنسيئة، أو باعه توليةً ولم يبيّن، ثمّ علم المشتري، فله الخيار بالإجماع، إن شاء أخذه وإن شاء ردّه، لأنّ المرابحة عقد بني على الأمانة، لأنّ المشتري اعتمد البائع وائتمنه في الخبر عن الثّمن الأوّل، فكانت الأمانة مطلوبةً في هذا العقد، فكانت صيانته عن الخيانة مشروطةً دلالةً، وفواتها يوجب الخيار كفوات السّلامة عن العيب‏.‏ وإن ظهرت الخيانة في قدر الثّمن في المرابحة والتّولية، بأن قال‏:‏ اشتريت بعشرة وبعتك بربح دينار على كلّ عشرة دنانير، أو قال‏:‏ اشتريت بعشرة وولّيتك بما تولّيت، ثمّ تبيّن أنّه كان اشتراه بتسعة، فقد اختلف في حكمه‏:‏

فذهب الشّافعيّة - في الأظهر - وهو المذهب عند الحنابلة، وقال به أبو يوسف من الحنفيّة‏:‏ إلى أنّه لا خيار له، ولكن يحطّ قدر الخيانة فيهما جميعاً، وذلك درهم في التّولية ودرهم في المرابحة، وحصّته من الرّبح، وهو جزء من عشرة أجزاء من درهم ويلزم البيع‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ المشتري بالخيار في المرابحة، إن شاء أخذه بجميع الثّمن وإن شاء ترك، وفي التّولية لا خيار له، لكن يحطّ قدر الخيانة، ويلزم العقد بالثّمن الباقي‏.‏

وذهب المالكيّة إلى أنّه إن حطّ البائع الزّائد المكذوب وربحه لزم البيع، وإن لم يحطّ لم يلزم المشتري وخيّر بين الإمساك والرّدّ‏.‏

وفي القول الثّاني للشّافعيّة، وبه قال محمّد‏:‏ له الخيار في المرابحة والتّولية جميعاً، إن شاء أخذه بجميع الثّمن، وإن شاء ردّه على البائع‏.‏

13 - وأمّا المواضعة، فإنّها تطبّق عليها شروط المرابحة وأحكامها، إذ هي بيع بمثل الثّمن الأوّل مع نقصان معلوم منه‏.‏

وكذا الإشراك حكمه حكم التّولية، ولكنّه تولية بعض المبيع ببعض الثّمن‏.‏

14 - وأمّا بالنّسبة لبيع المسترسل فمن صوره‏:‏ أن يقول الرّجل للرّجل‏:‏ بعني كما تبيع النّاس، فهذا البيع صحيح عند المالكيّة، ولكن إن غبنه بما يخرج عن العادة فله الخيار‏.‏

15 - ومن صوره أيضاً‏:‏ أن يبيع شخصاً لا يماكس، أو لا يحسن المماكسة، فكأنّ المشتري استرسل إلى البائع واطمأنّ إليه، فأخذ ما أعطاه من غير مماكسة، ولا معرفة بغبنه‏.‏ وبيع المسترسل بهذا التّعريف ينعقد باتّفاق الفقهاء، ولكنّهم اختلفوا في ثبوت الخيار للمسترسل فيه‏.‏

فذهب الحنفيّة - في ظاهر الرّواية - والشّافعيّة‏:‏ إلى أنّه لا يثبت له الخيار، لأنّ نقصان قيمة السّلعة مع سلامتها لا يمنع لزوم العقد، ومجرّد كونه مغبوناً لا يثبت له خياراً، لكنّه مكروه عند الشّافعيّة‏.‏

وذهب الحنفيّة في القول المفتى به عندهم، والمالكيّة والحنابلة‏:‏ إلى ثبوت الخيار له إذا كان الغبن فاحشاً‏.‏ وفسّره الحنفيّة بما لا يدخل تحت تقويم المقوّمين، لأنّ ما لم يرد الشّرع بتحديده يرجع فيه إلى العرف، وفسّر المالكيّة والحنابلة الغبن الفاحش بأنّه ما زاد على الثّلث، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في الوصيّة‏:‏ «الثّلث، والثّلث كثير» فقد وصف الثّلث بأنّه كثير، وقيل‏:‏ السّدس، وقيل‏:‏ ما لا يتغابن به النّاس عادةً‏.‏

واستدلّوا بقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ «غبن المسترسل حرام» ولأنّه غبن حصل لجهله بالمبيع، فأثبت الخيار، كالغبن في تلقّي الرّكبان‏.‏

البيع الباطل

التّعريف

1 - البيع لغةً من الأضداد مثل الشّراء، والأصل في البيع مبادلة مال بمال، وذلك حقيقة في وصف الأعيان، لكنّه أطلق على العقد مجازاً، لأنّه سبب التّمليك والتّملّك‏.‏

والباطل من بَطَل الشّيء‏:‏ فسد أو سقط حكمه فهو باطل‏.‏

والبيع اصطلاحاً‏:‏ مبادلة مال بمال‏.‏ والبيع الباطل عند الحنفيّة هو‏:‏ ما لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه‏.‏ وعند الجمهور - وهم لا يفرّقون بين الفاسد والباطل في الجملة - هو ما لم يترتّب أثره عليه، فلم يثمر ولم تحصل به فائدته من حصول الملك‏.‏

وهو موافق لما عند الحنفيّة أيضاً‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - البيع الصّحيح‏:‏

2 - هو‏:‏ ما شرع بأصله ووصفه، ويفيد الحكم بنفسه إذا خلا من الموانع‏.‏ أو هو‏:‏ ما ترتّب عليه أثره من حصول الملك والانتفاع بالمبيع‏.‏ وعلى ذلك فهو مباين للبيع الباطل‏.‏

ب - البيع الفاسد‏:‏

3 - الجمهور على عدم التّفرقة بين البيع الباطل والبيع الفاسد‏.‏ أمّا الحنفيّة فيجعلون البيع الفاسد مرتبةً بين البيع الصّحيح والبيع الباطل‏.‏

ويعرّفه الحنفيّة بأنّه‏:‏ ما شرع بأصله دون وصفه‏.‏

أو هو‏:‏ ما ترتّب عليه أثره، ولكنّه مطلوب التّفاسخ شرعاً، وهو مباين للباطل كما يقول ابن عابدين، لأنّ ما كان مشروعاً بأصله فقط يباين ما ليس بمشروع أصلاً‏.‏ وأيضاً حكم الفاسد أنّه يفيد الملك بالقبض، والباطل لا يفيده أصلاً، وتباين الحكمين دليل تباينهما‏.‏

ج - البيع المكروه‏:‏

4 - هو ما كان مشروعاً بأصله ووصفه، لكن نهي عنه لوصف مجاور غير لازم، كالبيع عقب النّداء للجمعة، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة والشّافعيّة‏.‏

خلافاً للحنابلة، إذ النّهي عندهم يقتضي الفساد مطلقاً، وهو يتّفق مع البيع الصّحيح في ترتّب أثره عليه، ولكنّه مباين له باعتباره منهيّاً عنه‏.‏

الحكم التّكليفي

5 - الإقدام على البيع الباطل مع العلم بالبطلان حرام، ويأثم فاعله، لارتكابه المعصية بمخالفته المشروع، وعدم امتثاله لما نهى الشّارع عنه، لأنّ البيع الباطل لم يشرع لا بأصله ولا بوصفه‏.‏

هذا مع استثناء حالة الضّرورة، كالمضطرّ يشتري الطّعام بزيادة على ثمن المثل، وكالعقد الّذي يختبر به رشد الصّبيّ‏.‏ فقد قيل‏:‏ يشتري الوليّ شيئاً ثمّ يدفعه إلى آخر، ثمّ يأمر الطّفل بشرائه منه، وهذا بالنّسبة للبيع المتّفق على بطلانه، كبيع المجنون والصّبيّ الّذي لا يميّز، وكبيع الميتة والدّم والملاقيح والمضامين‏.‏

أمّا البيع المختلف في بطلانه بين المذاهب بأن كان باطلاً في مذهب وغير باطل في مذهب آخر، كبيع الفضوليّ، وبيع المعاطاة، وبيع الكلب المأذون في اتّخاذه، فإنّ المقدم عليه إن كان مجتهداً قد بلغ رتبة الاجتهاد فلا يعتبر البيع باطلاً في حقّه، ولا إثم عليه، لأنّه تحرّى قصد الشّارع ببذل الجهد، حتّى وصل إلى دليل يرشده، بحيث لو ظهر له خلاف ما رآه بدليل أقوى لرجع إليه، والمخطئ في اجتهاده لا يعاقب، بل يكون معذوراً ومأجوراً‏.‏

إلاّ أنّه يستحبّ الخروج من الخلاف، بمعنى أنّ من يعتقد جواز الشّيء، فإنّه يستحبّ له تركه إن كان غيره يعتقده حراماً‏.‏

والمقلّد كذلك يأخذ حكم المجتهد في سقوط الإثم عنه، ما دام مقلّداً لإمامه تقليداً سائغاً‏.‏ والعامّيّ ينبغي له أن يستفتي من غلب على ظنّه أنّه من أهل العلم والدّين والورع، وإن اختلف عليه العلماء أخذ بقول أعلمهم وأورعهم وأغلبهم صواباً في قلبه، ولا يتخيّر ما يميل إليه هواه، لأنّ ذلك يؤدّي إلى تتبّع المذاهب من غير استناد إلى دليل، وقال قوم‏:‏ لا يجب ذلك عليه، لأنّ الكلّ طرق إلى اللّه‏.‏

أسباب بطلان البيع

6 - يرى جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - أنّه لا فرق بين البيع الفاسد والبيع الباطل، فهما مترادفان، لأنّ كلّاً من البيع الفاسد والباطل وقع على خلاف ما طلبه الشّارع، ولذلك لم يعتبره، ولم يرتّب عليه الأثر الّذي رتّبه على البيع الصّحيح من حصول الملك وحلّ الانتفاع‏.‏

وأسباب فساد البيع هي أسباب بطلانه، وهي ترجع إلى الخلل الواقع في ركن من أركان العقد، أو في شرط من شرائط الصّحّة، أو لورود النّهي عن الوصف الملازم للفعل، أو عن الوصف المجاور عند الحنابلة‏.‏ واستدلّ الجمهور على ذلك بما يأتي‏:‏

أ - البيع الباطل أو الفاسد منهيّ عنه شرعاً، والمنهيّ عنه يكون حراماً، والحرام لا يصلح سبباً لترتّب الأثر عليه، لأنّ النّهي عن التّصرّف إنّما هو لبيان أنّ ذلك التّصرّف قد خرج عن اعتباره وشرعيّته‏.‏

ب - قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» والبيع المنهيّ عنه وقع على غير ما أمر به الشّارع، فيكون مردوداً، فكأنّه لم يوجد‏.‏

ج - أجمع سلف الأمّة على الاستدلال بالنّهي على الفساد، ففهموا فساد الرّبا من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وذروا ما بَقِيَ من الرّبا‏}‏ وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا تبيعوا الذّهب بالذّهب إلاّ مثلاً بمثل» و «نهى صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط»‏.‏

هذا عند الجمهور‏:‏ أمّا الحنفيّة فإنّ سبب بطلان البيع عندهم يرجع إلى اختلال ركن البيع أو شرط من شرائط الانعقاد، فإذا تخلّف الرّكن أو شرط من شرائط الانعقاد كان البيع باطلاً ولا وجود له، لأنّه لا وجود للتّصرّف إلاّ من الأهل في المحلّ حقيقةً، ويكون العقد فائت المعنى من كلّ وجه، إمّا لانعدام معنى التّصرّف كبيع الميتة والدّم، أو لانعدام أهليّة التّصرّف كبيع المجنون والصّبيّ الّذي لا يعقل‏.‏

أمّا اختلال شرط من شرائط الصّحّة فلا يجعل البيع باطلاً، كما هو عند الجمهور، بل يكون فاسداً‏.‏ واستدلّ الحنفيّة على ذلك بأنّ البيع الفاسد مشروع فيفيد الملك في الجملة، والدّليل على أنّه مشروع بأصله‏:‏ النّصوص العامّة المطلقة في باب البيع من نحو قوله تعالى‏:‏

‏{‏وأحلَّ اللّه البيعَ‏}‏ ونحو ذلك ممّا ورد من النّصوص العامّة في هذا الباب‏.‏

ويلحظ هنا أنّ بعض الشّافعيّة يسايرون المذهب الحنفيّ في التّفريق بين البيع الباطل والبيع الفاسد، رغم أنّ القواعد العامّة عندهم تخالف ذلك‏.‏

جاء في أسنى المطالب‏:‏ فرّق الأصحاب بين الباطل والفاسد، فقالوا‏:‏ إن رجع الخلل إلى ركن العقد كبيع الصّبيّ فهو باطل، وإن رجع إلى شرطه أو صفته فهو فاسد‏.‏

7- بعد هذا التّفريق بين مذهب الحنفيّة والجمهور، هناك من البيوع الباطلة ما هو متّفق على بطلانها بين المذاهب الأربعة، كالبيع الّذي حدث خلل في ركنه، أو في شرط من شرائط انعقاده، كبيع الميتة والدّم والملاقيح والمضامين فهذه متّفق على بطلانها‏.‏

وهناك من البيوع ما هو مختلف في بطلانه بين المذاهب، وهو ما رجع الخلل فيها لغير ما سبق‏.‏ فبيع الفضوليّ مثلاً صحيح، ولكنّه موقوف على الإجازة عند الحنفيّة والمالكيّة، وهو باطل في الأصحّ عند الشّافعيّة والحنابلة‏.‏

والبيع عند النّداء يوم الجمعة باطل عند الحنابلة‏.‏ ومثل ذلك يقال في بيع المعاطاة، وبيع الكلب المأذون في اتّخاذه، وبيع النّجش، وهكذا‏.‏ ويرجع سبب الاختلاف في الحكم على مثل هذه البيوع بالبطلان أو عدمه إلى الاختلاف في الدّليل‏.‏

ما يتعلّق بالبيع الباطل من أحكام

8 - البيع الباطل لا يترتّب عليه أثر، لأنّه لا وجود له إلاّ من حيث الصّورة، وهو منقوض من أساسه، ولا يحتاج لحكم حاكم لنقضه‏.‏

ولا تلحقه الإجازة لأنّه معدوم، والإجازة لا تلحق المعدوم‏.‏

وهذا باتّفاق الفقهاء في البيع المجمع على بطلانه، وأمّا البيع المختلف فيه كبيع الفضوليّ، فإنّه إذا حكم حاكم بصحّته صحّ العقد قضاءً، حتّى عند من يقول ببطلانه وهم الشّافعيّة، والحنابلة في الأصحّ عندهم، لأنّ حكم الحاكم يرفع الخلاف‏.‏ ومقابل الأصحّ عندهم‏:‏ أنّه تلحقه الإجازة‏.‏ وإذا وقع البيع الباطل، فإنّ وجوده من حيث الصّورة يتعلّق به بعض الأحكام‏.‏ وبيان ذلك فيما يلي‏:‏

أ - التّرادّ‏:‏

9 - إذا وقع البيع الباطل وحدث فيه تسليم شيء من أحد الطّرفين وجب ردّه، لأنّ البيع الباطل لا يفيد الملك بالقبض، ويجب على كلّ من الطّرفين ردّ ما أخذه إن كان باقياً، وهذا باتّفاق‏.‏ يقول ابن رشد‏:‏ اتّفق العلماء على أنّ البيوع الفاسدة إذا وقعت ولم تفت، حكمها الرّدّ، أي أن يردّ البائع الثّمن، ويردّ المشتري المثمون‏.‏

وردّ المبيع يكون مع نمائه المتّصل والمنفصل وأجرة مثله مدّة بقائه في يده، وإن نقص ضمن نقصه، لأنّه مضمون عليه، فأجزاؤها تكون مضمونةً أيضاً‏.‏

صرّح بهذا الشّافعيّة والحنابلة، وهو ما تفيده قواعد المذهب الحنفيّ‏.‏

أمّا عند المالكيّة فإنّ تغيّر الذّات بزيادة أو نقص يعتبر فوتاً ينتقل الحقّ فيه إلى الضّمان

ب - التّصرّف في المبيع‏:‏

10 - إذا تصرّف المشتري في المبيع بيعاً باطلاً ببيع أو هبة أو غير ذلك فلا ينفذ تصرّفه، لأنّه لم يملكه، فيكون قد تصرّف في ملك غيره بدون إذنه، وتكون تصرّفاته كتصرّفات الغاصب، ولذلك فإنّ هذا التّصرّف لا يمنع الرّدّ لعدم نفوذه، وهذا عند الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة‏.‏

أمّا عند المالكيّة فإنّ التّصرّف في المبيع يعتبر مفوّتاً، وينتقل الحقّ فيه إلى الضّمان‏.‏

ج - الضّمان‏:‏

11 - إذا تلف المبيع في يد المشتري، فالصّحيح عند الحنفيّة، وهو مذهب الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ أنّه يلزمه ضمانه بالمثل في المثليّ والقيمة في المتقوّم‏.‏

والقيمة عند الشّافعيّة تقدّر بأقصى القيم في المتقوّم من وقت القبض إلى وقت التّلف، وفي وجه تعتبر قيمته يوم التّلف، وفي وجه يوم القبض‏.‏

وعند الحنابلة تعتبر القيمة يوم تلف ببلد قبضه فيه، قاله القاضي، ونصّ أحمد عليه في الغصب، ولأنّه قبضه بإذن مالكه فأشبه العاريّة، وذكر الخرقيّ في الغصب‏:‏ أنّه يلزمه قيمته أكثر ما كانت، فيخرج هاهنا كذلك، وهو أولى، لأنّ العين كانت على ملك صاحبها في حال زيادتها، وعليه ضمان نقصها مع زيادتها، فكذلك في حال تلفها‏.‏

وللمالكيّة تفصيل في ذلك، يقولون‏:‏ إن فات المبيع بيد المشتري مضى المختلف فيه - ولو كان الخلاف خارج المذهب المالكيّ - بالثّمن الّذي وقع به البيع، وإن لم يكن مختلفاً فيه - بل متّفقاً على فساده - ضمن المشتري قيمته إن كان مقوّماً حين القبض، وضمن مثل المثليّ إذا بيع كيلاً أو وزناً، وعلم كيله أو وزنه، ولم يتعذّر وجوده، وإلاّ ضمن قيمته يوم القضاء عليه بالرّدّ‏.‏ وللحنفيّة رأي آخر، وهو‏:‏ أنّ المبيع يكون أمانةً عند المشتري، لا يضمن إلاّ بالتّعدّي أو التّفريط في الحفظ، لأنّه مال قبضه بإذن صاحبه في عقد وجد صورةً لا معنًى، فالتحق بالعدم وبقي إذنه بالقبض‏.‏

د - تجزّؤ البيع الباطل‏:‏

12 - المراد بتجزّؤ البيع الباطل‏:‏ أن يشتمل البيع على ما يجوز بيعه وما لا يجوز بيعه صفقةً واحدةً، فيكون في شقّ منه صحيحاً وفي الشّقّ الآخر باطلاً، ومن القواعد الفقهيّة‏:‏ إذا اجتمع الحلال والحرام غلّب الحرام‏.‏ وأدخل الفقهاء تحت هذه القاعدة ما يسمّى بتفريق الصّفقة، وهو الجمع بين ما يجوز وما لا يجوز في عقد واحد‏.‏

وعقد البيع إذا كان في شقّ منه صحيحاً، وفي الشّقّ الآخر باطلاً، كالجمع بين العصير والخمر، أو بين المذكّاة والميتة، وبيع ذلك صفقةً واحدةً، فالصّفقة كلّها باطلة، وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة - عدا ابن القصّار منهم - وهو أحد قولي الشّافعيّة ‏(‏وادّعى الإسنويّ في كتاب المهمّات أنّه المذهب‏)‏ وهو رواية عن الإمام أحمد، وذلك لأنّه متى بطل العقد في البعض بطل في الكلّ، لأنّ الصّفقة غير متجزّئة، أو لتغليب الحرام على الحلال عند اجتماعها، أو لجهالة الثّمن‏.‏

والقول الأظهر للشّافعيّة، والرّواية الثّانية عن الإمام أحمد، وهو قول ابن القصّار من المالكيّة‏:‏ أنّه يجوز تجزئة الصّفقة، فيصحّ البيع فيما يجوز، ويبطل فيما لا يجوز، لأنّ الإبطال في الكلّ لبطلان أحدهما ليس بأولى من تصحيح الكلّ لصحّة أحدهما، فيبقيان على حكمهما، ويصحّ فيما يجوز، ويبطل فيما لا يجوز‏.‏

وقال أبو يوسف ومحمّد بن الحسن‏:‏ إن عيّن ابتداءً لكلّ شقّ حصّته من الثّمن، فعند ذلك تعتبر الصّفقة صفقتين مستقلّتين تجوز فيهما التّجزئة، فتصحّ واحدة وتبطل الأخرى‏.‏

وهذه إحدى صور تفريق الصّفقة‏.‏

والصّورة الثّانية‏:‏ أن يكون العقد في شقّ منه صحيحاً، وفي الشّقّ الآخر موقوفاً، كالجمع بين داره ودار غيره، وبيعهما صفقةً واحدةً، فإنّ البيع يصحّ فيهما، ويلزم في ملكه، ويوقف اللّزوم في ملك الغير على إجازته، وهذا عند المالكيّة والحنفيّة عدا زفر، وهو مبنيّ عند الحنفيّة على قاعدة عدم جواز البيع بالحصّة ابتداءً، وجواز ذلك بقاءً‏.‏ وعند زفر‏:‏ يبطل الجميع، لأنّ العقد وقع على المجموع، والمجموع لا يتجزّأ‏.‏ وعند الشّافعيّة والحنابلة‏:‏ يجري الخلاف السّابق في الصّورة الأولى، لأنّ العقد الموقوف عندهم باطل في الأصل‏.‏ والصّورة الثّالثة ذكرها ابن قدامة، وهي‏:‏ أن يبيع معلوماً ومجهولاً، كقوله‏:‏ بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بألف، فهذا البيع باطل بكلّ حال‏.‏

قال ابن قدامة‏:‏ ولا أعلم في بطلانه خلافاً‏.‏

هـ - تصحيح البيع الباطل‏:‏

13 - تصحيح البيع الباطل يمكن تصويره بصورتين‏.‏

الأولى‏:‏ إذا ارتفع ما يبطل العقد، فهل ينقلب البيع صحيحاً ‏؟‏

الثّانية‏:‏ إذا كانت صيغة البيع الباطل تؤدّي إلى معنى عقد آخر صحيح، فهل يتحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ‏؟‏ وبيان ذلك فيما يلي‏:‏

أمّا الصّورة الأولى‏:‏ فإنّ الحنفيّة يفرّقون بين البيع الباطل والبيع الفاسد، فيصحّ عندهم في الجملة تصحيح البيع الفاسد بارتفاع المفسد دون الباطل، ويعلّلون ذلك بأنّ ارتفاع المفسد في الفاسد يردّه صحيحاً، لأنّ البيع قائم مع الفساد، ومع البطلان لم يكن قائماً بصفة البطلان، بل معدوماً‏.‏ وعلى ذلك لا يجوز بيع الدّقيق في الحنطة، والزّيت في الزّيتون، واللّبن في الضّرع، والبزر في البطّيخ، والنّوى في التّمر، لأنّه معدوم حتّى لو سلّم البائع للمشتري اللّبن، أو الدّقيق، أو العصير، لا ينقلب صحيحاً، لأنّ المعقود عليه معدوم حالة العقد، ولا يتصوّر انعقاد العقد بدونه، فلم ينعقد أصلاً، فلا يحتمل النّفاذ‏.‏

14 - أمّا الجمهور- وهم لا يفرّقون بين البيع الفاسد والباطل - فالحكم عندهم أنّ البيع الباطل لا ينقلب صحيحاً برفع المفسد‏.‏ ففي كتب الشّافعيّة‏:‏ لو حذف العاقدان المفسد للعقد، ولو في مجلس الخيار، لم ينقلب العقد صحيحاً، إذ لا عبرة بالفاسد‏.‏

وفي المغني لابن قدامة‏:‏ لو باعه بشرط أن يسلّفه أو يقرضه، أو شرط المشتري ذلك عليه، فهو محرّم، والبيع باطل، لما روى عبد اللّه بن عمر رضي الله عنهما أنّ النّبيّ قال‏:‏ «لا يحلّ سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك»‏.‏ ولأنّه اشترط عقداً في عقد ففسد، كبيعتين في بيعة، ولأنّه إذا اشترط القرض زاد في الثّمن لأجله، فتصير الزّيادة في الثّمن عوضاً عن القرض وربحاً له، وذلك رباً محرّم، ففسد كما لو صرّح به، ولأنّه بيع فاسد فلا يعود صحيحاً، كما لو باع درهماً بدرهمين ثمّ ترك أحدهما‏.‏ وفي شرح منتهى الإرادات‏:‏ من باع بشرط ضمان دركه إلاّ من زيد لم يصحّ بيعه له، لأنّ استثناء زيد من ضمان دركه يدلّ على حقّ له في المبيع، لأنّه لم يأذن له في بيعه فيكون باطلاً، ثمّ إن ضمن دركه منه أيضاً لم يعدّ البيع صحيحاً، لأنّ الفاسد لا ينقلب صحيحاً‏.‏ والأصل عند المالكيّة أنّ كلّ شرط يناقض مقتضى العقد كبيع الثّنيا ‏(‏بيع الوفاء‏)‏ - وهو أن يبتاع السّلعة على أنّ البائع متى ردّ الثّمن فالسّلعة له - وكذا كلّ شرط يخلّ بقدر الثّمن كبيع وشرط سلفاً، فإنّ العقد يكون فاسداً‏.‏

لكن يصحّ البيع إن حذف شرط السّلف، وكذا كلّ شرط يناقض المقصود، إلاّ بعض الشّروط فلا يصحّ البيع معها، ولو حذف الشّرط وهي‏:‏

- 1 - من ابتاع سلعةً بثمن مؤجّل على أنّه إن مات فالثّمن صدقة عليه، فإنّه يفسخ البيع ولو أسقط هذا الشّرط، لأنّه غرر، وكذا لو شرط‏:‏ إن مات فلا يطالب البائع ورثته بالثّمن‏.‏

- 2 - شرط الثّنيا يفسد البيع ولو أسقط الشّرط، وهو المشهور‏.‏

- 3 - شرط النّقد في بيع الخيار‏:‏ قال ابن الحاجب‏:‏ لو أسقط شرط النّقد فلا يصحّ‏.‏

أمّا الشّرط الّذي يؤدّي إلى الإخلال بشرط من شروط الصّحّة فهذا يوجب الفسخ، وليس للعاقدين إمضاؤه‏.‏

15 - ومناط المسألة عند الفقهاء فيما سبق كما قال ابن رشد هو‏:‏ هل إذا لحق الفساد بالبيع من قبل الشّرط يرتفع الفساد إذا ارتفع الشّرط أم لا يرتفع الفساد ‏؟‏ كما لا يرتفع الفساد اللاحق للبيع الحلال من أجل اقتران المحرّم العين به ‏؟‏ كمن باع فرساً بمائة دينار وزقّ خمر، فلمّا عقد البيع قال‏:‏ أدع الزّقّ، وهذا البيع مفسوخ عند العلماء بإجماع‏.‏

وهذا أيضاً ينبني على أصل آخر‏.‏ وهو‏:‏ هل هذا الفساد حكميّ ‏(‏تعبّديّ‏)‏ أو معقول ‏؟‏ فإن قلنا‏:‏ حكميّ، لم يرتفع بارتفاع الشّرط‏.‏ وإن قلنا‏:‏ معقول، ارتفع بارتفاع الشّرط‏.‏

فمالك رآه معقولاً، والجمهور رأوه غير معقول‏.‏

والفساد الّذي يوجد في بيوع الرّبا والغرر أكثره حكميّ، ولذلك لا ينعقد عندهم أصلاً، وإن ترك الرّبا بعد البيع أو ارتفع الغرر‏.‏

16 - أمّا الصّورة الثّانية، وهي تحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح، فهذا يرجع إلى اختلاف الفقهاء في قاعدة ‏"‏ العبرة بصيغ العقود أو معانيها ‏"‏‏.‏

يقول السّيوطيّ‏:‏ هل العبرة بصيغ العقود أو معانيها ‏؟‏ خلاف، والتّرجيح مختلف في الفروع‏.‏ ومن ذلك‏:‏ لو باع المبيع للبائع قبل قبضه بمثل الثّمن الأوّل، فهو إقالة بلفظ البيع، وخرّجه السّبكيّ على القاعدة، والتّخريج للقاضي حسين‏.‏ قال‏:‏ إن اعتبرنا اللّفظ لم يصحّ، وإن اعتبرنا المعنى فإقالة، وهو بيع فاسد لأنّه وقع على المبيع قبل أن يقبض، ولكنّه مع ذلك يتحوّل إلى إقالة صحيحة، إذ يشتمل العقد على جميع عناصر الإقالة‏.‏

وفي الأشباه لابن نجيم‏:‏ الاعتبار للمعنى لا للألفاظ، صرّحوا به في مواضع‏.‏

وفي درر الحكّام‏:‏ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني، ولذا يجري حكم الرّهن في بيع الوفاء‏.‏

وفي مذهب مالك‏:‏ أنّ من باع عقاراً أو غيره وشرط على المبتاع أن لا يبيعه ولا يهبه حتّى يعطيه الثّمن فلا بأس بهذا، لأنّه بمنزلة الرّهن إذا كان إعطاء الثّمن لأجل مسمًّى‏.‏

وهكذا يجري حكم تحوّل البيع الباطل إلى عقد آخر صحيح ضمن القاعدة الّتي سبق ذكرها‏.‏

بيع التّلجئة

التّعريف

1 - يعرّف بعض الحنفيّة بيع التّلجئة بأنّه‏:‏ عقد ينشئه لضرورة أمر فيصير كالمدفوع إليه‏.‏ وعرّفه صاحب الإنصاف بقوله‏:‏ هو أن يظهرا بيعاً لم يريداه باطناً بل خوفاً من ظالم ‏(‏ونحوه‏)‏ دفعاً له‏.‏ وسمّاه الشّافعيّة بيع الأمانة، وصورته كما ذكر النّوويّ في المجموع أن يتّفقا على أن يظهرا العقد، إمّا للخوف من ظالم ونحوه، وإمّا لغير ذلك، ويتّفقا على أنّهما إذا أظهراه لا يكون بيعاً، ثمّ يعقد البيع‏.‏

وأمّا التّلجئة الّتي أضيف هذا البيع إليها فترد في اللّغة بمعنى‏:‏ الإكراه والاضطرار‏.‏

وأمّا في الاصطلاح‏:‏ فيرجع معناها إلى معنى الإلجاء، وهو الإكراه التّامّ أو الملجئ، ومعناه كما يفهم من حاشية ابن عابدين أن يهدّد شخص غيره بإتلاف نفس أو عضو أو ضرب مبرّح إذا لم يفعل ما يطلبه منه‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - بيع الوفاء‏:‏

2 - صورته أن يبيعه العين بألف على أنّه إذا ردّ عليه الثّمن ردّ عليه العين فيتّفق بيع التّلجئة وبيع الوفاء في عدم إرادة حقيقة البيع، ويختلفان في أنّ بيع الوفاء يئول إلى رهن أو بيع وشرط ظاهر، أمّا بيع التّلجئة فالاتّفاق على عدم إرادة البيع مضمر بينهما وليس هناك بيع أصلاً‏.‏ هذا، والفرق بين بيع التّلجئة وبيع الوفاء‏:‏ أنّ المتعاقدين في بيع التّلجئة يتّفقان على أن يظهرا العقد إمّا خوفاً من ظالم ونحوه وإمّا لغير ذلك، ويتّفقان أيضاً على أنّهما إذا أظهراه لا يكون بيعاً، وأمّا في بيع الوفاء فإنّهما يتّفقان على أن يبيعه العين بثمن معيّن، ويتّفقان أيضاً على أنّ البائع إذا أحضر الثّمن فإنّه يستردّ المبيع، فبيع الوفاء في حقيقته رهن بلفظ البيع أو قرض إلى أجل بلفظ البيع، فاشتراط التّلجئة فيه تفسده‏.‏

ب - بيع المكره‏:‏

3 - المراد ببيع المكره حمل البائع على البيع بغير اختياره، إذ الإكراه في اللّغة معناه‏:‏ حمل الإنسان على شيء يكرهه‏.‏

وفي الشّرع‏:‏ فعل يوجد من المكره فيحدث في المحلّ معنًى يصير به مدفوعاً إلى الفعل الّذي طلب منه‏.‏ والفرق بين بيع التّلجئة وبيع المكره‏:‏ أنّ بيع التّلجئة بيع في الظّاهر فقط لا في الحقيقة، وأمّا بيع المكره فإنّه بيع حقيقيّ، مع الاختلاف في حكمه فساداً ووقفاً‏.‏

ج - بيع الهازل‏:‏

4 - الهازل في البيع‏:‏ هو الّذي يتكلّم بكلام البيع لا على إرادة حقيقته‏.‏

والهزل‏:‏ هو أن لا يراد باللّفظ معناه، لا الحقيقيّ ولا المجازيّ، وهو ضدّ الجدّ، وهو أن يراد بالشّيء ما وضع له‏.‏

والفرق بين بيع التّلجئة وبيع الهازل‏:‏ أنّ بيع التّلجئة وإن كان الدّافع إليه في الغالب هو الإكراه إلاّ أنّه في حقيقته هو بيع الهازل، لأنّ البائع في بيع التّلجئة تلفّظ بصيغة البيع، وهو في الحقيقة لا يريد البيع، ولهذا ذكر صاحب البدائع أنّه يشبه بيع الهازل‏.‏

إذ الهزل ينافي اختيار الحكم والرّضى به ولا ينافي الرّضى بالمباشرة واختيارها، فصار بمعنى خيار الشّرط في البيع‏.‏

التّلجئة في غير البيع

5 - تكون التّلجئة في النّكاح، كما إذا خطب من هو قاهر لشخص بعض بناته، فأنكحه المخطوب إليه، وأشهد شهود الاسترعاء سرّاً‏:‏ أنّي إنّما أفعله خوفاً منه، وهو ممّن يخاف عداوته، وأنّه إن شاء اختارها لنفسه بغير نكاح، فأنكحه على ذلك فهو نكاح مفسوخ أبداً‏.‏ وتجري التّلجئة أيضاً في التّحبيس ‏(‏الوقف‏)‏ والطّلاق والهبة وغيرها، من كلّ تطوّع‏.‏

أقسام بيع التّلجئة

6 - بيع التّلجئة ينقسم إلى قسمين‏:‏ قسم تكون التّلجئة فيه في نفس البيع، وقسم تكون التّلجئة فيه في الثّمن‏.‏ وكلّ قسم من هذين القسمين على ضربين، لأنّ التّلجئة إن كانت في نفس البيع فإنّها إمّا أن تكون في إنشاء البيع، وإمّا أن تكون في الإقرار به‏.‏ وإن كانت في الثّمن فإنّها إمّا أن تكون في قدره، وإمّا أن تكون في جنسه‏.‏

القسم الأوّل‏:‏ أن تكون التّلجئة في نفس البيع‏.‏

وهو على ضربين‏:‏

الضّرب الأوّل‏:‏ بيع تكون التّلجئة في إنشائه‏:‏

7 - وذلك بأن يتواضعا في السّرّ لأمر ألجأهما إليه‏:‏ على أن يظهرا البيع ولا بيع بينهما حقيقةً، وإنّما هو رياء وسمعة‏.‏ نحو أن يخاف رجل السّلطان، فيقول لآخر‏:‏ إنّي أظهر أنّي بعت منك داري، وليس ببيع في الحقيقة، وإنّما هو تلجئة، فتبايعا، ففيه ثلاثة أقوال من حيث الجواز والبطلان‏.‏

أحدهما‏:‏ أنّ البيع باطل في ظاهر الرّواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف ومحمّد‏.‏ وهو الوجه الصّحيح والمشهور عند الحنابلة، واختاره القاضي وغيره‏.‏

وذكر البهوتيّ‏:‏ أنّه باطل قولاً واحداً، حيث تواطآ عليه‏.‏

ووجه القول بالبطلان‏:‏ أنّ المتبايعين تكلّما بصيغة البيع لا على قصد الحقيقة وهو تفسير الهزل، والهزل يمنع جواز البيع، لأنّه يعدم الرّضا بمباشرة السّبب، فلم يكن هذا بيعاً منعقداً في حقّ الحكم‏.‏ وكذلك دلالة الحال على أنّهما في مثل هذا البيع لا يريدان البيع، وإن لم يقولا في العقد تبايعنا هذا تلجئة‏.‏

ثانيهما‏:‏ أنّ البيع جائز، ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة، وهو أيضاً ما ذهب إليه الشّافعيّة، وكذا الحنابلة على الوجه الثّاني عندهم‏.‏

ووجه هذا القول هو أنّه لا عبرة بما اتّفقا عليه في السّرّ، وإنّما العبرة بالعقد الّذي أظهراه، ولأنّ ما شرطاه في السّرّ لم يذكراه في العقد، وإنّما عقدا عقداً صحيحاً بشرائطه، فلا يؤثّر فيه ما تقدّم من الشّرط، كما إذا اتّفقا على أن يشترطا شرطاً فاسداً عند البيع، ثمّ باعا من غير شرط‏.‏

ثالثهما‏:‏ وهو المرويّ عن محمّد أنّ البيع جائز ‏(‏غير لازم‏)‏ ويلزم إن أجازاه معاً، لأنّ الحكم ببطلان هذا البيع لمكان الضّرورة، فلو اعتبرنا وجود الشّرط عند البيع لا تندفع الضّرورة، ولو أجاز أحدهما دون الآخر لم يجز، وإن أجازاه جاز، لأنّ الشّرط السّابق وهو المواضعة ‏(‏التّواطؤ‏)‏ منعت انعقاد العقد في حقّ الحكم، فكان بمنزلة شرط خيار المتبايعين، فلا يصحّ إلاّ بتراضيهما، ولا يملكه المشتري بالقبض‏.‏

وفي بيع التّلجئة لم يوجد الرّضا بمباشرة السّبب في الجانبين أصلاً، فلم ينعقد السّبب في حقّ الحكم، فتوقّف على أحدهما، فأشبه البيع بشرط خيار المتبايعين‏.‏

8- هذا ويتفرّع على القول ببطلان هذا البيع‏:‏ أنّ المتبايعين إذا اختلفا، فادّعى أحدهما التّلجئة، وأنكر الآخر، وزعم أنّ البيع بيع رغبة، فالقول قول منكر التّلجئة، لأنّ الظّاهر شاهد له، فكان القول قوله مع يمينه على ما يدّعيه صاحبه من التّلجئة إذا طلب الثّمن‏.‏ وإن أقام المدّعي البيّنة على التّلجئة تقبل بيّنته، لأنّه أثبت الشّرط بالبيّنة، فتقبل بيّنته، كما لو أثبت الخيار بالبيّنة‏.‏ وأمّا على القول بجوازه فلا تؤثّر هذه الدّعوى، لأنّها - وإن صحّت - لا تؤثّر في البيع الظّاهر‏.‏ أمّا إذا اتّفقا على التّلجئة، ثمّ قالا عند البيع‏:‏ كلّ شرط كان بيننا فهو باطل تبطل التّلجئة ويجوز البيع، لأنّه شرط فاسد زائد، فاحتمل السّقوط بالإسقاط، ومتى سقط صار العقد جائزاً‏.‏

الضّرب الثّاني‏:‏ بيع تكون التّلجئة في الإقرار به‏.‏

9- التّلجئة إذا كانت في الإقرار بالبيع، بأن اتّفقا على أن يقرّا ببيع لم يكن، فأقرّا بذلك، ثمّ اتّفقا على أنّه لم يكن، فالبيع باطل كما ذكر صاحب البدائع، ولا يجوز بإجازتهما، لأنّ الإقرار إخبار، وصحّة الإخبار هي بثبوت المخبر به حال وجود الإخبار، فإن كان ثابتاً كان الإخبار صدقاً وإلاّ فيكون كذباً، والمخبر به هاهنا - وهو البيع - ليس بثابت، فلا يحتمل الإجازة، لأنّها تلحق الموجود لا المعدوم‏.‏

القسم الثّاني‏:‏ بيع تكون التّلجئة فيه في الثّمن أو البدل‏:‏

وهو أيضاً على ضربين‏.‏

10 - الضّرب الأوّل‏:‏ بيع تكون التّلجئة فيه في قدر الثّمن‏.‏

ومثاله أن يتواضعا في السّرّ والباطن على أنّ الثّمن ألف، ثمّ يتبايعا في الظّاهر بألفين، فهل العبرة في مثل هذا البيع بالظّاهر أو الباطن ‏؟‏ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنّ العبرة بالظّاهر، أي بما تعاقدا عليه، وهو الثّمن المعلن‏.‏

ذهب إلى ذلك أبو حنيفة فيما رواه عنه أبو يوسف‏.‏ وهو ما ذهب إليه الشّافعيّة، وهو أظهر الوجهين عند الحنابلة، وقطع به القاضي‏.‏

ثانيهما‏:‏ أنّ العبرة بالباطن، أي بما اتّفقا عليه سرّاً، وهذا القول رواه محمّد في الإملاء من غير خلاف، وهو قول أبي يوسف أيضاً‏.‏ وهو أيضاً ما ذهب إليه الحنابلة على أحد الوجهين عندهم، وهو مذهب المالكيّة على ما نصّوا عليه في مهر السّرّ ومهر العلانية‏.‏ ووجه القول بأنّ الثّمن هو الثّمن المعلن‏:‏ هو أنّ المذكور في العقد هو الّذي يصحّ العقد به، وما ذكراه سرّاً لم يذكراه حالة العقد، فسقط حكمه، وأيضاً فإنّ الاتّفاق السّابق ملغًى، بدليل أنّهما لو اتّفقا على شرط فاسد ثمّ عقدا بلا شرط صحّ العقد‏.‏

ووجه القول بأنّ الثّمن هو ثمن السّرّ‏:‏ هو أنّهما اتّفقا على أنّهما لم يقصدا الألف الزّائدة، فكأنّهما هزلا بها‏.‏ أي فلا تضمّ إلى الثّمن، ويبقى الثّمن هو الثّمن الّذي اتّفقا عليه في السّرّ، وهذا عند الحنفيّة والحنابلة القائلين بفساد بيع الهازل‏.‏

وأمّا عند الشّافعيّة القائلين بصحّته - في أصحّ الوجهين - فتضمّ إلى الثّمن‏.‏ هذا، ويفهم ممّا ذكره صاحب البدائع من أنّ المعتبر هل هو ثمن السّرّ أو الثّمن المعلن، أنّ محلّه إن قالا عند المواضعة‏:‏ إنّ أحد الألفين المعلنين رياء وسمعة، أمّا إذا لم يقولا ذلك عند المواضعة فالثّمن ما تعاقدا عليه، لأنّ الثّمن اسم للمذكور عند العقد، والمذكور عند العقد ألفان‏.‏

11 - الضّرب الثّاني‏:‏ بيع تكون فيه التّلجئة في جنس الثّمن‏.‏

ومثال ذلك‏:‏ أن يتّفقا في السّرّ على أنّ الثّمن ألف درهم، ثمّ يظهرا البيع بمائة دينار، فهل يبطل هذا البيع أو يصحّ بالثّمن المعلن ‏؟‏

ذهب محمّد إلى أنّ هذا البيع يبطل قياساً، ويصحّ استحساناً، أي بالثّمن المعلن‏.‏

ومحلّه - كما جاء في البدائع - إن قالا عند المواضعة‏:‏ إنّ الثّمن المعلن رياء وسمعة، فإن لم يقولا ذلك فالثّمن ما تعاقدا عليه، لأنّ الثّمن اسم للمذكور عند العقد، والمذكور عند العقد إنّما هو مائة دينار‏.‏

ووجه بطلان هذا البيع على القياس‏:‏ هو أنّ ثمن السّرّ لم يذكراه في العقد، وثمن العلانية لم يقصداه فقد هزلا به، فسقط وبقي بيعاً بلا ثمن فلا يصحّ‏.‏

ووجه صحّته استحساناً‏:‏ هو أنّهما لم يقصدا بيعاً باطلاً بل بيعاً صحيحاً، فيجب حمله على الصّحّة ما أمكن، ولا يمكن حمله على الصّحّة إلاّ بثمن العلانية، فكأنّهما انصرفا عمّا شرطاه في الباطن، فتعلّق الحكم بالظّاهر، كما لو اتّفقا على أن يبيعاه بيع تلجئة فتواهبا، بخلاف الألف والألفين، لأنّ الثّمن المذكور المشروط في السّرّ مذكور في العقد وزيادة، فتعلّق العقد به‏.‏

12 - هذا وذكر صاحب البدائع أيضاً أنّ هذا كلّه إذا اتّفقا في السّرّ ولم يتعاقدا في السّرّ، أمّا إذا اتّفقا في السّرّ وتعاقدا أيضاً في السّرّ بثمن، ثمّ تواضعا على أن يظهرا العقد بأكثر منه أو بجنس آخر، فإن لم يقولا‏:‏ إنّ العقد الثّاني رياء وسمعة فالعقد الثّاني يرفع العقد الأوّل، والثّمن هو المذكور في العقد الثّاني، لأنّ البيع يحتمل الفسخ والإقالة، فشروعهما في العقد الثّاني إبطال للأوّل، فبطل الأوّل وانعقد الثّاني بما سمّي عنده‏.‏ وإن قالا‏:‏ رياء وسمعة، فإن كان الثّمن من جنس آخر فالعقد هو العقد الأوّل، لأنّهما لمّا ذكرا الرّياء والسّمعة فقد أبطلا المسمّى في العقد الثّاني، فلم يصحّ العقد الثّاني، فبقي العقد الأوّل‏.‏

وإن كان من جنس الأوّل فالعقد هو العقد الثّاني، لأنّ البيع يحتمل الفسخ، فكان العقد هو العقد الثّاني لكن بالثّمن الأوّل، والزّيادة باطلة لأنّهما أبطلاها حيث هزلا بها‏.‏

13 - وأمّا الشّافعيّة فإنّ البيع يصحّ عندهم بالثّمن المعلن، ولا أثر للاتّفاق السّابق لأنّه ملغًى، فصار كما لو اتّفقا على شرط فاسد، ثمّ تبايعا بلا شرط‏.‏

14 - وأمّا الحنابلة، فقد جاء في الفروع في كتاب الصّداق‏:‏ أنّهما لو اتّفقا قبل البيع على ثمن، ثمّ عقدا البيع بثمن آخر أنّ فيه وجهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنّ الثّمن ما اتّفقا عليه‏.‏ والثّاني‏:‏ ما وقع عليه العقد كالنّكاح‏.‏

15 - وأمّا المالكيّة، فإنّهم لم يصرّحوا في كتبهم ببيع التّلجئة كغيرهم، وإنّما ذكروا بيع المكره والمضغوط وبيع الهازل، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك، لكنّهم تكلّموا عن عقد النّكاح وتسمية مهر للسّرّ ومهر للعلانية، وبيّنوا أنّ العمل بمهر السّرّ إذا كانت هناك بيّنة تشهد على أنّ مهر العلن لا عبرة به، وإنّما ذكر للأبّهة والفخر‏.‏ فإذا لم تكن هناك بيّنة واتّفق الزّوجان على مهر السّرّ عمل به، فإن اختلفا حلّفت الزّوجة الزّوج إن ادّعت الرّجوع عن صداق السّرّ القليل إلى صداق العلانية الكثير، فإن حلف عمل بصداق السّرّ، وإن نكل حلفت الزّوجة على الرّجوع وعمل بصداق العلانية، فإن نكلت عمل بصداق السّرّ‏.‏

16 - هذا، وذكر صاحب التّبصرة في القضاء بشهادة الاسترعاء‏:‏ أنّ الاسترعاء في البيوع لا يجوز، مثل أن يشهد قبل البيع أنّه راجع في البيع، وأنّ بيعه لأمر يتوقّعه، لأنّ المبايعة خلاف ما يتطوّع به، وقد أخذ البائع فيه ثمناً وفي ذلك حقّ للمبتاع، إلاّ أن يعرف الشّهود الإكراه على البيع والإخافة، فيجوز الاسترعاء إذا انعقد قبل البيع، وتضمّن العقد شهادة من يعرف الإخافة والتّوقّع الّذي ذكره‏.‏ وهذا يفيد أنّ المكره على البيع لأمر يتوقّعه أو يخافه لا يلزمه البيع عند المالكيّة، بل له أن يرجع فيه حتّى بعد أن يقبض الثّمن، ما دام شهود الاسترعاء قد عرفوا الإكراه على البيع وسبب الإخافة‏.‏

أثر الاختلاف بين البائع والمشتري

17 - لو ادّعى أحدهما بيع التّلجئة، وأنكر الآخر، فإن جاء مدّعي التّلجئة ببيّنة قبلت، وإلاّ فالقول لمدّعي الأصل وهو عدم التّلجئة بيمينه‏.‏ ولو قدّم كلّ منهما بيّنةً قدّمت بيّنة مدّعي التّلجئة، لأنّه يثبت خلاف الظّاهر‏.‏

ولو تبايعا في العلانية، فإن اعترفا ببنائه على التّلجئة، فالبيع في العلانية باطل باتّفاقهما على أنّهما هزلا به، وإلاّ فالبيع لازم‏.‏ وهذا بناءً على ما ذهب إليه القائلون بصحّة بيع السّرّ وبطلان البيع المعلن، وهم أبو يوسف ومحمّد من الحنفيّة، وهو المذهب عند الحنابلة، والمفهوم من مذهب المالكيّة‏.‏

أمّا من ذهب إلى صحّة البيع الثّاني وبطلان الاتّفاق المسبق في السّرّ، فلا ترد هذه التّفصيلات عندهم، وهم أبو حنيفة والشّافعيّة والقاضي من الحنابلة‏.‏

هذا من حيث الجملة، وتنظر تفصيلات المسألة والخلاف فيها في مباحث البيع والدّعوى‏.‏

بيع التّولية

انظر‏:‏ تولية‏.‏

بيع الثّنيّة

انظر‏:‏ بيع الوفاء‏.‏

البيع الجبريّ

تعريفه‏:‏

1 - البيع الجبريّ مركّب من لفظين‏:‏ ‏"‏ البيع ‏"‏ و‏"‏الجبريّ ‏"‏ فالبيع مبادلة مال بمال على وجه مخصوص‏.‏ والجبريّ‏:‏ من جبره على الأمر جبراً‏:‏ حمله عليه قهراً‏.‏

فالبيع الجبريّ في استعمال الفقهاء هو‏:‏ البيع الحاصل من مكره بحقّ، أو البيع عليه نيابةً عنه، لإيفاء حقّ وجب عليه، أو لدفع ضرر، أو تحقيق مصلحة عامّة‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الإكراه على البيع‏:‏

2 - الإكراه في اللّغة‏:‏ حمل الإنسان على أمر بغير اختياره‏.‏

وفي الشّرع‏:‏ فعل يوجده المكرِه فيدفع المكرَه إلى ما طلب منه‏.‏

فالفرق بينه وبين البيع الجبريّ‏:‏ أنّ البيع الجبريّ لا يكون إلاّ بحقّ، أمّا البيع بالإكراه فهو في الأصل أعمّ، لكنّ الغالب إطلاقه على الإكراه بلا حقّ‏.‏

ب - بيع التّلجئة‏:‏

3 - بيع التّلجئة في اصطلاح الفقهاء‏:‏ أن يظهرا عقداً وهما لا يريدانه، يلجأ إليه صاحب المال خوفاً من عدوّ أو سلطان جائر‏.‏

فالفرق بينه وبين البيع الجبريّ أنّ بيع التّلجئة فيه صورة البيع لا حقيقته‏.‏

حكمه التّكليفي

4 - يختلف حكم البيع الجبريّ باختلاف سببه، فإن كان لإيفاء حقّ، كبيع ماله لإيفاء دين حالّ، وبطلب صاحب الحقّ فهو واجب، وكذا إذا كان لمصلحة عامّة، كتوسعة المسجد الّذي ضاق على المصلّين، أو الطّريق العامّ‏.‏

ويقوم البيع في الفقه الإسلاميّ - كسائر العقود القوليّة - على التّراضي الحرّ على إنشائه من الجانبين لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيّها الّذين آمنوا لا تأْكلوا أموالَكم بَيْنَكم بالباطلِ إلاّ أنْ تكونَ تِجَارةً عن تَرَاضٍ منكم‏}‏ وخبر‏:‏ «إنّما البيعُ عن تَرَاض» ولا يقرّ الفقهاء بيعاً لم يقم على التّراضي من الجانبين‏:‏ البائع والمشتري، إلاّ ما توجبه المصلحة العامّة لإحقاق حقّ، أو تحقيق مصلحة عامّة، أو دفع ضرر خاصّ أو عامّ، وهو ما يسمّى في عرفهم‏:‏ الإكراه المشروع، أو الإكراه بحقّ‏.‏ ومنها‏:‏ العقود الجبريّة الّتي يجريها الحاكم، إمّا مباشرةً نيابةً عمّن يجب عليه إجراؤها، إذا امتنع عنها، أو يجبر هو على إجرائها‏.‏

ويذكر الفقهاء أمثلةً للجبر المشروع على البيع منها‏:‏

إجبار المدين على بيع ماله

5 - يجبر المدين على بيع ماله لإيفاء دين حالّ، إذا امتنع عن أدائه وله مال ظاهر، فيجبره الحاكم على وفاء الدّين بالتّعزير عليه بالحبس أو الضّرب، فإن أصرّ على الامتناع قضى الحاكم الدّين من ماله جبراً عليه، إذا كان له مال ظاهر من جنس الدّين‏.‏

هذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء‏.‏ أمّا إذا كان ماله من غير جنس الدّين كالعقار والعروض، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ الإمام يبيع ماله عليه جبراً نيابةً عنه‏.‏

وعند الإمام أبي حنيفة، لا يبيع الحاكم ماله عليه، بل يحبسه حتّى يقوم بإيفاء الدّين ببيع ماله أو غيره، لأنّ ولاية الحاكم - في نظر الإمام - على من عليه الدّين، لا على ماله، فلم ينفذ بيعه في ماله بغير إذنه، ولأنّ البيع تجارة ولا يصحّ إلاّ بتراض، وفيه أيضاً نوع من الحجر الّذي لا يجيزه أبو حنيفة‏.‏ وقد خالفه صاحباه في ذلك، فأجازا بيع الحاكم ماله لوفاء دينه بيعاً جبريّاً، ورأيهما هو المفتى به في المذهب‏.‏

بيع المرهون

6 - إذا رهن عيناً بدين حالّ أو مؤجّل، وحلّ الأجل، وامتنع المدين عن أداء الدّين أجبره الحاكم على بيع المرهون، أو باع عليه نيابةً عنه، لأنّه حقّ وجب عليه، فإذا امتنع عن أدائه قام الحاكم مقامه في أدائه، كالإيفاء في جنس الدّين‏.‏ وللتّفصيل ر‏:‏ ‏(‏رهن‏)‏‏.‏ وقال الإمام أبو حنيفة‏:‏ لا يبيع عرضه ولا عقاره، بل يحبسه حتّى يرضى ببيع ماله أو بغيره‏.‏

جبر المحتكر

7 - إذا كان عند إنسان طعام فاضل عن حاجته، يحتاج إليه النّاس وامتنع عن بيعه لهم، أجبره الحاكم على بيعه دفعاً للضّرر‏.‏ وللتّفصيل ر‏:‏ ‏(‏احتكار‏)‏‏.‏

الجبر على البيع للنّفقة الواجبة

8 - إذا امتنع المكلّف عن الإنفاق على من تجب عليه نفقته كالزّوجة والأولاد والأبوين، ولم يعرف له نقد ظاهر باع الحاكم عروضه أو عقاره للإنفاق عليهم‏.‏

وينظر التّفصيل في ‏(‏النّفقة‏)‏‏.‏

الأخذ بالشّفعة جبراً

9 - الشّفعة حقّ منحه الشّرع للشّريك القديم، أو الجار الملاصق، فيتملّك الشّقص المبيع عن مشتريه بما قام عليه من الثّمن والتّكاليف جبراً عليه‏.‏

وللتّفصيل انظر مصطلح ‏(‏شفعة‏)‏‏.‏